تحدي بعمّان الأول - فريق وسط البلد

26 November 2015

 

تحدي بعمّان الأول -  فريق وسط البلد

بقلم لينا وهيب

بدت عمّان تتأهب للمغيب ملقية حمولة النهار جانباً لتستقبل أربع عمّانيات اخترن مشاكستها بتحدّ من نوع خاص تقرّر بجلسة نسائية لطيفة.

 

فريقان يتشكل كل منهما من اثتنين عليهما تدبّر أمرهما بعشرة دنانير للمواصلات والطعام والشراب والتنزه وشراء هدية. على أن نختار منطقتين يبرز من خلالهما شيئاً من الّتنوع الكبير في المدينة التي ولدت قبل سبعة آلاف عام وعاشت أكثر من حقبة واستقت من أكثر من حضارة حتى غدت مزيجاً فريداً من العراقة والحداثة معاً.

انطلاقاً من الدوار الأول حيث مكتب مبادرة همزة وصل، توجّهت رغده بطرس وربى الناظر نحو الصويفية ذات الطابع العمّاني الأحدث تحملان الدنانير العشرة وتوجّهت أنا وعلا فرواتي بذات المبلغ إلى وسط البلد، قلب عمّان وأقدم مناطقها.

كان القرار الأمثل بالنزول نحو وسط المدينة سيراً على الأقدام لتوفير أجرة المواصلات، والتمتع بالجمال المعماري الفريد للبيوت الحجرية القديمة ذات التفاصيل المرسومة بمهارة البنائين العمّانيين الذين ألهمتهم فطرتهم لإبداع هذه البيوت على نحو يتجانس مع الطبيعة الجغرافية الجبلية للمدينة.

ما بين شارع وزقاق وسلسلة من السلالم الصخرية القديمة سرت ورفيقتي نسجّل انطباعاتنا ونلتقط صورنا ونبثها عبر تويتر أولاً بأول لنستمتع بتفاعل "التويترجية" الرائعون واقتراحاتهم اللطيفة التي عزّزت حالة المرح التي كانت تجتاحنا في هذه "الرحلة" الخاصة جداً.

رفيقتي التي نشأت بهذه المنطقة كانت خير دليل لي، فهي تعرف المكان وأسراره الجميلة التي بدأت تتكشّف على استحياء شيئاً فشيئاً لتلقي في قلبي خفقات من روح الدهشة التي يغمرها عبق من نسمات عمّان لم أعهده قبل الآن.

أولى نفحات الجمال كانت في محل السلطان الواقع في شارع منحدر صغير يوصل نحو أوّل شارع السلط. العقود الخرزية الملونة تتدلى بإغواء يبعث على الرغبة بشرائها كلها، وكلف الخياطة تملأ الرفوق وتشعل الحماس لثورة تسوّق كبرى لا يوقفها إلا الرّاتب المحدود الذي يفرض سطوته ليذكّرني دائماً بأن كلمته هي العليا.  ثم أن هذا اليوم له قيوده وقواعده، هي الدنانير العشرة لا غير، وما زال المشوار في أوّله.

اخترت ورفيقتي المرحة عقداً من الخرز الملون ثمنه ديناران استطعنا بعد المفاصلة تخفيضه لدينار ونصف ليكون هدية لصديقتنا المشتركة  (غيا ارشيدات) التي لم تبخل علينا بحبها ودعمها المعنوي طوال رحلتنا الممتعة. ولسان حالنا ونحن ندفع ثمن العقد يقول ( مش معقول نفس العقد شفناه بسعر 7 دنانير في مكان تاني من عمّان... كيف يعني؟!!)

أكملنا طريقنا باتجاه شارع السلط ومنه نحو منطقة الجامع الحسيني الكبير،  وكلّما سرنا أكثر كلّما أبرزت عمّان القديمة مزيداً  من فتنتها وأفاضت علينا من خيرها وعطاياها. كل شيء حولنا، الملابس المطرزة وأدوات الزينة والأدوات المنزلية و.... و..... كل شيء قد يخطر ببال إنسان موجود هناك، وكأن مغارة علي بابا السّرية تخرج كنوزها للناس دفعة واحدة، وما علينا إلا التمتع بهذا الكرم العمّاني واختيار ما نريد.BeAmman Challenge - Wast El Balad

عصير القصب أيضاً كان حاضراً في المكان ليروي ظمأ علا، نصف دينار ثمن الكأس كان مبلغاً معقولاً جداً، ونصف دينار أخرى ثمناً لكيس صغير من البزر المحمّص للتسلية في طريقنا الحافل كان مقدوراً عليه، ولا بأس بكيس صغير آخر من مخلل الزهرة بنصف دينار أيضاً... استعداداً للوجبة الرئيسية التي لم يحن موعدها بعد.

كل شيء يسير على أحسن حال، والحركة النشطة التي تجتاح الشوارع والأرصفة بثّت فينا المزيد من الطاقة والحيوية، غير أنّ طارئاً كاد أن يكون معيقاً لانطلاقتنا. فحذائي لم يكن مناسباً للسير مسافات طويلة، وآلام القدمين بدأت تعلن عن نفسها بقوّة وتمرّد. فكانت بالة الملابس القديمة ملجأ واقعياً للغاية، مكّننا من شراء حذاء رياضي خفيف ومريح بدينار ونصف لا يثقل كاهل ميزانيتنا المتواضعة.

عمّان بدت عصيّة على الاكتشاف الكامل، لأول مرّة أدرك كم من الحكايا فيها، وكم تحمل زقاقها المنزوية بين الأبنية القديمة المزيد من الكنوز والأسرار والعراقة. ولعل أحداها هي مشاوي أبو حاتم الساكنة في أحد تلك الأزقة تنتظر الجائعين من زوّار قلب المدينة لتهبهم لذّة أخرى ترضي المعدة بعد طول المسير. اخترنا تناول صينية لحمة شقف مع البندورة والبطاطا، بدينارين وربع وشربنا زجاجة ماء صغيرة وزجاجة بيبسي واحدة وكاستين من الشاي بالنعناع الأخضر وكان المجموع ثلاثة دنانير وستون قرشاً.

الميزانية التي ما زالت تحت السيطرة تغوينا لاستكمال مشوار المتعة ودفع دينار مستَحَق مقابل أوقية من كنافة حبيبة الأشهر، لنتشارك حبورنا مع تلك الوجوه السعيدة المتللذة بنكهة لا يمكن تذوّقها بأي مكان آخر على وجه الأرض غير عمّان.

عمّان التي ماتزال ضاحكة، بدّلت شمسها بقمر المساء وحان موعد العودة، بالنّزر اليسير من القروش المتبقية بعد رحلتنا المبهجة، سنعود إلى الدوار الأول والتعب أنهكنا وسيارات الأجرة ترفض أن تقلّنا إلى مكان قريب كالذي نتوجه إليه. الحل الأمثل إذاً هو السرفيس، ستّون قرشاً كانت كافية لنصل أمام مكتب" مبادرة همزة وصل" لننهي ذلك التحدي الودود الذي ما أردناه أن ينتهي أبداً، لولا نهاية النهار والدنانير العشرة معه.

ما زالت تفاصيل جولتنا حاضرة بقوة في مخيّلتي وخاطري، فما رأيته ذلك اليوم زاد وعيي بعمّان التي طالما اعتبرتها خاصّتي  وحدي، لا شريك لي بحبها. اكتشفت كم هي مختلفة عن كل مدن الدنيا، وهي التي ألانت حجارتها ونثرت طيبتها وأسبغت كرمها على كل من اختارها سكناً.

أقول لعمّان التي همست لي حجارتها ذلك اليوم بحديث طويل: أعيشك يا بهجتي طمأنينة في نفسي ورضىً في خاطري وسعادة في عمري، لا حرمنا الله منك ومن بهائك أيّتها الحنون.

* تجربة فريق الصويفية هنا

BeAmman Challenge - Wast El BaladBeAmman Challenge - Wast El Balad