عمان واحدة

26 November 2015

 

عمان واحدة

بقلم رغدة بطرس


عمان مدينة منقسمة بخطوط وهمية غير موجودة على أي خارطة وإنما مرسومة  بمخيلتنا. "الجسم النفثي" في الدماغ يفصل ما بين نصفيه الأيمن والأيسر وهو عبارة عن عصبة سميكة من الألياف العصبية التي تبعث برسائل ذهابا وإيابا بينهما. وأثبتت الدراسات أن جزئي الدماغ يتدخلان في معظم الأنشطة البشرية، ولكننا نعلم أن كل شق يتميز عن الآخر ببعض الوظائف. فالجانب الأيسر مسؤول عن التحليلات المنطقية والمتسلسلة، بينما يختص الجانب الأيمن بالعمليات البصرية، ويعتمد على الحدس، والعشوائية و النظرة الكلية.

 

Image by Iona Fournier

أعتبر نفسي محظوظة لكوني أقضي وقتي متنقلة ما بين مناطق عمان المختلفة، قاطعة هذا الفاصل الوهمي الذي  يغير موقعه مع مرور الزمن. أذكر الوقت الذي كان لا يزال يعتبر فيAmman - Khirfan Streetه جبل اللويبدة ومناطق من جبل عمان تابعة للجهة الشرقية من المدينة، وذلك قبل أن يستعيدا مكانتهما وجاذبيتهما بالنسبة للطبقات الميسورة من عمان. وشارع خرفان، الذي يفصل ما بين جبل عمان و وسط البلد، ما زال واحدا من هذه الأماكن الغامضة، فهو على بعد بضعة أدراج من شارع الرينبو المعروف، إلا أنه يقع في الجانب الآخر من دماغنا. هذا الشارع هو جزء من "الجسم النفثي" الهام والحي بنهاياته العصبية التي تصل مدينتنا ببعضها.

إذا كان التطور العمراني للمدينة حتى الآن نموذجاً لما قد تؤول اليه الأمور، فإنه سيتم الاستيلاء بشكل تدريجي على شارع خرفان لمشاريع تطوير طاردة للسكان الأصليين، وسنفقد واحدا من أكثر المجتمعات الحضرية قِدمًا وروعة في عمان، وذلك قبل أن تسنح لنا الفرصة حتى بأن نتعرف عليها.

أجد نفسي مترددة دائما بين تشجيع الناس على التجول في  هذا الشارع الممتد بالبيوت المتداعية الجميلة على جهة والمنظر الرائع لوسط عمان من الجهة الأخرى، وبين ثنيهم عن ذلك. ، فأكاد أرى الجانب الأيسر من دماغهم وهو يعمل ويتحرك و هم يفكرون بطرق لجعل الحي ملكهم، بينما تجتاح خبايا الجانب الأيمن من دماغي صور كل ما سيُفقد على صعيد القيمة الثقافية والاجتماعية الغير حسية للحي، والتي لا يمكن إستبدالها. 

في ذات الوقت، استغرب من الانطباعات المغلوطة لدينا, فطفل التقيت به في جبل النظيف، أحد الأحياء التي كانت في يوم ما منسية، أخبرني بأن صديقه قد "هاجر" إلى عبدون، بينما سألتني صديقة كانت ستشارك في  برنامج من برامج "همزة وصل" بأن ألتقيها "في مكان ما في عمان بالطريق إلى جبل القلعة". إن المجتمعات المغلقة حيث نعيش، موجودة في عقولنا. لا يوجد أي بوابات أو نقاط تفتيش في الطريق إلى الجوفة أو الجبيهة، ومع ذلك فإننا دائما قلقون بأننا قد لا نستدل الطريق الى هناك. إن تجربتي الشخصية في التنقل عبر الحدود الوهمية تكشف لي دوماٍ انها ليست فقط مهمة بسيطة وإنما ممتعة وثرية للغاية.

أشعر بالراحة التامة في جبل القلعة على سبيل المثال، موقع أقدم المجتمعات البشرية و البدايات العمرانية الحديثة في عمان، ليس بسبب نوعية الهواء في إحدى أعلى مناطق المدينة فحسب، بل بسبب طبيعة  المجتمع هناك. المكان يبدو كما لو أنه معلق في الزمن، حيث ما زال الأطفال يصنعون طيارات ورقية، بينما الأمهات ينادين من شرفاتهن لدعوتك إلى كوب من الشاي أو وجبة الغذاء. ولكن الحياة هناك أيضاً تواكب العصر، حيث أن المختار رجل في العقد الرابع، و بطل عمان في"السكيت" يقيم هناك.Amman - Jabal Al-Qalaa with residents

إلا أن جبل القلعة يواجه الكثير من التحديات. فالعديد من سكان الحي الذين عاشوا هناك منذ عقود استلموا انذارات بإخلاء مساكنهم المستأجرة مع نهاية العام الحالي بموجب قانون المالكين والمستأجرين الجديد، كما أن مشروع القطار الجبلي الذي من المخطط أن يصل بين المدرج الروماني والقلعة سوف يمر عبر ما تبقى من البيوت القديمة ذات الطابع المعماري المميز والمصفوفة على امتداد أحد أهم شوارع الحي - متسببا بهدم بعضها.

لا تزول هذه المجتمعات في ليلة وضحاها، بل نتيجة عملية تدريجية تحصل حين نفشل في الانتباه أو التدخل، أو حين نشعر بأن المتأثرين بهذه العملية لا يمثلوننا. ما نحتاجه الآن حتى ننمو ونبقى بنفس الوقت مرتبطين بتراثنا الإنساني والثقافي هو الإحساس بالوحدة المبنية على التعدد و غنى الإختلاف.

عمان هي كل كامل مترابطة بعصبة سميكة من الألياف الإنسانية التي تمر عبرها. أدعو الجميع إلى أن يخطوا خارج نطاقهم المألوف  للإستكشاف و التواصل مع أبناء مدينتنا الكبيرة. إنها تجربة توحد الألباب وتغذي الأرواح.